الخميس، 5 مارس، 2009

تحت النيران


تحت النيران
قصة محمود البدوى

عشت فى قلب المعركة تحت النيران والقنابل ورصاص البنادق .. وكنت أجتاز خطوط النار وأقترب من مواقع العدو .. فى النهار والليل ..
وفى كل مرة كنت أتوقع أن أقتل ولكننى عشت وخرجت من المعركة بقلب حديد وشعور جديد ..
وأدركت عن بصيرة أن النصر لا يأتى من البندقية التى نمسكها وإنما من اليد التى تحرك البندقية ..
كما أدركت أن المستميت لايموت وأن الظلام والقنابل لاتميت ولا تخيف مادام الإنسان قد قرر أن يعيش ويحيا ..
وحدث ذات ليلة وكنت أتجه إلى مستشفى الميدان .. فانحرفت عن الطريق الذى اعتدت أن أسلكه .. واطلقت علىَّ النيران .. فارتميت على الأرض سريعا ..
وقال لى الجندى " عبد الرافع " وهو يتصور أننى قتلت :
ـ لماذا لم تنبهنى .. يادكتور ..
ـ لقد نبهتك .. ولكن ضاع صوتى فى المعمعة ..
ـ لك عمر ..!
واشتد الضرب فوقنا فجذبنى عبد الرافع إلى الخندق .. وانبطحت بجواره .. وانطلقت الصواريخ والنيران .. وصفر الرصاص .. وأبرقت الشهب .. واهتزت الأرض .. وأرعدت السماء .. وخيل إلينا أن قذائف المدافع المضادة تشق السحاب .. وأن الأرض تخرج السنة من الجحيم ..
وبعد ساعة خيم السكون .. وبقى الظلام .. والعيون السوداء فى الوجوه النحاسية ترقب فى يقظة وتوثب ..
ولاحظت وجه عبد الرافع فرأيته انتفخ وبرزت عروقه وأخذت تنفض الدم الثائر ..
ثم لانت ملامحه وبرقت عيناه وهو ينظر إلى طائرة من طائرات الأعداء تهوى مشتعلة ..
وقال وهو يرقب الدخان الكثيف الأسود :
ـ كنت أود أن القاه حيا وهو هابط ..
ـ من ..؟
ـ الطيار ..
ـ ستجد غيره .. ان المدافع المصرية تسقطهم كالجراد ..
وضحك .. وقفز فى وثبة واحدة إلى عربة " التعيين " وحمل لى فنجانا من الشاى وبرتقاله ..
وقال وهو يبتسم :
ـ انها تحية من محارب .. إلى طبيب .. وإنسان .. وأنت تعنى بجرحاهم كما تعنى بى تماما .. دون أى تفريق .. ولكنهم يلقون على مستشفاك القنابل .. لأنهم وحوش ..
وشكرت له تحيته وأخذنا نتحدث فى مختلف الشئون .. وأدركت من سنه أنه متطوع ومن حديثه أنه مثقف ..
وقال وهو ينظر إلى الشرق وقد اتخذ سحنة الذئب الأغبر ..
ـ سيجيئون مرة أخرى .. وأنا حى .. واستدار وفكاه يتحركان كالكماشة ..
كنت أود أن القاهم فى الإسكندرية .. أو بور سعيد .. ولكنهم أبقونى هنا ..
وعادت عضلات وجهه تتقلص ..
فقلت لأخفف من حدة انفعاله :
ـ ان الميدان كله واحد ..
ـ ولكننى أريد أن أكون أول رجل يلقاهم وأول من يطلق عليهم الرصاص .. سأقتل منهم بعدد شعر رأسى ..
وأصر على أسنانه وأعجبت لهذه الحماسة واللهفة على القتال من رجل قد اقترب من الأربعين ..
ونظر بعيدا ثم حرك مدفعه وقال :
ـ يجيئون مرة أخرى وينتهكون الأعراض .. ويقتلون الأطفال .. ويحجبون النور عن الأرض .. ويقلبون المدينة الباسلة إلى مواخير .. لا .. لن يحدث هذا ..
وتأججت النيران وفتحت المدافع أفواهها فجأة ..
وسألته وقد رأيته لم يطلق رصاصة واحدة :
ـ لماذا لم تطلق النار ..؟
ـ أنا .. لا أطلق فى الهواء ..
فابتسمت .. وسألته وأنا أتهيأ للذهاب :
ـ هل معك رسالة أو أى شىء تريد أن تقوله لزوجتك .. أننى ذاهب فى الصباح إلى المدينة ..
فأطرق صامت .. ولما رفع رأسه كان البريق الذى فى عينيه قد انطفأ ..
وقال وكأن شيئا قد حدث فجأة وشل حركة لسانه :
ـ لقد قتلها الأنذال ..
وشرب جرعة من الماء ..
وأسفت .. فقد أثرت أشجانه من حيث لا أدرى ..
واستطرد :
ـ ان شر ما يصيبنى الآن أننى لا أستطيع أن أدخن فى هذه اللحظة .. !
وعاد وجهه يسود .. وبعد لحظات استعاد سكينته .. وقال:
ـ كانت وديعة وجميلة .. لم يكن فى النساء من هو أجمل وأنضر منها .. وكنت أقيم معها فى شقة صغيرة من دور أرضى على طريق السيارات فى قلب القاهرة ..
وكان الانجليز وحلفاؤهم يخرجون من الحانات ويدورون فى هذه المنطقة سكارى معربدين .. وكانت الحرب بينهم وبين الألمان فى الصحراء على أشدها ..
وكانوا فى تلك اللحظة منهزمين .. ويفرون مذعـورين الى القاهرة يســـكرون ويروعون السكان الوادعين .. وكنا نعرف ندالتهم ولا نخرج من البيوت بعد الغروب ..
وشاء القدر أن يلمحوا زوجتى ذات ليلة من النافذة .. وكانت وحدها .. فوثب ثلاثة منهم إلى الشــقة .. وكانوا يتصورون أنها سترضى .. ولما قاومتهم مزقوا جسدها .. وولوا هاربين فى الظلام ..
وسكت .. وتكلم المدفع ..
وصدرت الأوامر فى الليلة التالية فتحركت وحدتنا إلى بور سعيد .. وكان عبد الرافع يرقص من الفرح .. فقد حقق بغيته ..
وكان المستشفى العسكرى بعيدا خلف خطوط الجبهة ..
ولكن لما دارت المعركة خيل إلىَّ أننى أسمع صوته وزئيره .. ولم أعجب للبسالة الخارقة من رجالنا وهم يقاومون الغزاة .. فقد كان عبد الرافع هناك فى المقدمة ومدفعه الرشاش يحصد كل من يدنس بقدمه أرض الوطن ..














=====================================
نشرت فى صحيفة الشعب بالعدد 163 فى 15 نوفمبر 1956
=====================================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق