الخميس، 5 مارس، 2009

اللوحة

اللـوحــة

قصة محمود البدوى

كان حسام الدين رساما مشهورا ولوحاته الفنية حديث الناس فى المجتمع ..

وكان يسكن فى " فيلا " صغيرة من طابق واحد فى عزبة النخل بعيدا عن المحطة .. وكان يحيط بالفيلا حديقة برية نمت كما اتفق كأنها تسقى بماء الأمطار .. وتركت أشجارها وكل ما فيها من نبات وزهر للمقادير .. فمنذ وفاة زوجته .. وهو يعيش وحيدا ولا يدخل بيته خادم ولا بستانى ..

كان يأكل فى مطاعم القاهرة ويرسم لوحاته فى الأندية .. ويذهب إلى الفيلا فى آخر قطار لينام ..

ومرت حياته على هذا المنوال البوهيمى .. شهورا عدة .. وحدث فى صباح يوم من أيام الشتاء .. وكان نازلا من القطار فى محطة كوبرى الليمون كعادته .. فبصر بفتاة تجلس وحدها على مقعد فى المحطة ..

وكان وجهها معبرا ويبدو عليه الارهاق الشديد ..
ثم انطلق لشأنه ..

ولما رجع فى الليل ليركب آخر قطار ذاهب إلى المرج .. رآها جالسة على المقعد نفسه .. وكان قد أمضها الانتظار وحطم أعصابها .. فأخذت تتلفت فى قلق وتفحص كل الخارجين والداخلين من باب المحطة .. ثم ألقت برأسها على كتفها مستسلمة وفى تلك اللحظة تقدم إليها حسام الدين .. فركبت معه القطار إلى البيت ..

وكان فى وسط الحديقة بئر عليه دلو صغير .. فكانت مديحة .. تقضى الفراغ فى تحريك الدلو وسقى الأشجار .. وتجد فى ذلك لذة محببة .. وكان حسام يشاركها أحيانا فى سقى الحديقة ..

كانت تعرف طباعة وتعرف أنه لا يحب الأيدى الغريبة التى تعبث فى لوحاته .. وألوانه .. فكانت
تحافظ على أدوات عمله ولا تدع أحدا يدخل البيت فى غيابه ..

وكانت تتركه عصر كل خميس .. وتعود إلى عزبة النخل فى صباح السبت فى أول قطار .. يفتح عينيه على وجهها الجميل ..

وكانت تعود من غيبتها حزينة .. وقد ذهبت نضرة وجهها ..

فسألها مرة :
ـ إذا كان السفر يرهقك فلماذا تسافرين ..؟
ـ أنه لا يرهقنى .. وهو أمر لابد منه ..
ـ كما تحبين ..

وكانت وادعة وتحسن أمور البيت وتعرف طباعه وتحرص على راحته .. حتى حببت له الإقامة فى هذا المكان المقفر .. وأصبح يخرج الحامل إلى الحديقة .. ويجلس يرسم ساعة وساعات مستغرقا فى عمله .. فإذا ألقى الفرشاة جانبا .. كانت الشمس قد أذنت بالمغيب .. ويكون التعب قد نال منه .. وفى هذه اللحظة تظهر مديحة فى ممر الحديقة حاملة صينية القهوة .. فيتناول منها الفنجان ويأخذا فى فنون الأحاديث ..

وكان قد رسمها .. عارية .. ولابسة .. فى لوحات كبيرة .. ولكنه لم يعرض هذه اللوحات .. وجعل الوجه شبه مطموس .. ومذ دخلت بيته وهو يشعر بالنشاط فى جسمه وفى عقله .. وذهبت عنه الغمة التى نزلت به بعد موت زوجته .. وأصبح يجد فى مديحة العوض .. والأنثى التى يتمناها الفنان ..

ولكنه لم يشاهد مثل هذا الوجه المعبر .. وفكر فى حياتها معه .. وحرصها على راحته وسعادته .. وفى انسانيتها ورقتها .. واهتزت مشاعره .. وقرر أن يحدد علاقته بها .. وأن يتزوجها ..

ورأى أن يفاجئها ذات مساء بالمأذون داخلا معه البيت ..

وفى الأسبوع الذى قرر فيه الزواج بها .. اشتعلت نيران الحرب فى القنال وابتدأت الغارات .. واشترك معظم الرجال فى المعركة .. وكفنان فكر فى أن يشترك فى المعركة بريشته .. ويرسم لوحة كبيرة يعرضها فى ميدان المحطة .. أو فى طريق الجنود الذاهبين إلى الميدان ..

وفى وقت الغارات والظلام والقنابل .. كان يعمل بذهنه .. ولا يدع دقيقة واحدة تمر دون عمل ..

ولكن بعد مضى أربعة أيام كاملة .. من العمل المتصل .. لم تعجبه اللوحة ووضع الريشة جانبا .. واعتمد برأسه على راحته ..

وسألته مديحة وهى تقدم له القهوة :
ـ ما لك ..؟
ـ اللوحة .. كما ترين .. مطموسة .. ولا تعبر عن شىء ..
ـ حاول غيرها ..
ـ سأحاول .. ولكن ما النتيجة ..؟ ستكون مثلها ..
ـ ولماذا تقدر أن تكون مثلها ..؟
ـ لأنى أرسم نفسى .. أرسم طبيعتى المصرية السمحة .. طبيعة شعب مسالم .. يحب السلام .. ولا أعرف روح الشر .. التى تحرك هؤلاء الأوغاد ..
ـ وما العمل إذن ..؟
ـ يجب أن أذهب إلى ميدان القتال .. وأرى وجوه الوحوش الآدمية .. التى تدمر البيوت وترسل الصواعق من السماء ..

وفى اليوم التالى حاول أن يذهب إلى بور سعيد فلم يستطع ..

فعاد إلى بيته وفى رأسه فكرة جديدة .. ووجد فى البيت غلاما فى الثامنة من عمره يجلس بجانب مديحة وعرف منها أنه ابن خالتها وأنه جاء يقضى معها بضعة أيام خلال عطلة المدارس .. التى أغلقت بسبب الحرب ..

وسر حسام لوجود الغلام سرور مديحة به .. وكان يسمع صوته فى البيت .. وحركته الدافقة ..

وكانت مديحة فى أثناء الغارات الشديدة تجذب الغلام إلى صدرها وتمنعه من الحركة وكانت إذا ذهبت إلى السوق فى الصباح تأخذه معها ..

وكان أحيانا يذهب إلى السوق وحده ليشترى بعض الأشياء الصغيرة كالصابون والسجائر .. والحلوى ..

وبعد يومين اثنين أحسا بقيمة الغلام .. وضرورة وجوده معهما فقد كان يشيع فى البيت الحركة ..

***

وذات مساء .. وكان حسام الدين مشغولا برسم لوحة كبيرة .. سمع صفارة الإنذار .. فوضع الفرشاة جانبا .. وأطفأ المصباح وتمطى .. وقال فى مرارة .. وهو شاعر بالإخفاق :
ـ لا فائدة ترجى .. برغم هذا التعب .. والصورة لا تعبر عن شىء على الاطلاق ..

وسمعت مديحة فجزعت وسألته :
ـ لا تعبر عن شىء ..؟
ـ إطلاقا ..

وخيم الصمت .. وكانت قد وضعت الغلام فى الفراش ودثرته .. فلما اشتد ضرب القنابل عادت وحملته وهو نائم .. وجلست فى الصالة بجانب حسام .. وشعر بكآبة ..
وقال حسام وكأنه يسمع هاتفا :
ـ أشعر بأننى سأموت .. كيف نواجه الشر ..؟
ـ بقلب صلد ..
ـ هذا صحيح .. ولكن هناك أناس فى العالم يصنعون الحروب .. ويعيشون ليدمروا حضارة البشر .. فكيف نواجههم .. وكيف نسحقهم ..؟ هذا هو السؤال .. منذ آلاف السنين وهم يصنعون الحروب ويقتلون النساء والأطفال .. فكيف نواجههم بقوى الخير التى فى الإنسان ..؟ إذا واجهناهم بوداعتنا وحمامة السلام التى على وجوهنا سحقونا .. وإذا أرسلنا عليهم القنابل المدمرة وصفونا بالتوحش .. هذا شىء يحير ..

وابتسمت وهى تستمع إلى حماسته .. ثم سمعته يقول وهو يخصها بالحديث :
ـ أشعر بأنى سأموت اليوم أو غدا .. وليس لى سواك .. فأرجو أن تدفنينى فى الإمام ولا تدفنينى فى المجاورين .. بجوار عبد الخالق ..
وضحكت .. حتى اهتز جسمها ..

كان يحدثها دائما عن قريبه عبد الخالق هذا .. بمثل هذه المرارة ..

وعصر يوم من أيام السبت وكان النهار قد انقضى من غير غارات شعر حسام بحاجته إلى السجائر .. فأرسلت مديحة " سرى " إلى بائع قريب فخرج الغلام يعدو .. وبعد خروجه مباشرة دوت صفارة الإنذار فنادته مديحة لترجعه .. ولكنه كان قد ابتعد فى الشارع فلم يسمعها وبعد قليل سمعت مديحة ضرب وصوت القنابل ولما خرجت إلى الشارع كانت الطائرات المغيرة تحلق على ارتفاع منخفض وتضرب الناس بالمدافع الرشاشة ..

فجرت مذعورة .. وهى تصيح :
ـ ابنى .. ابنى ..

وبعد عشر دقائق رآها الناس تحمل كتلة من اللحم على صدرها وكانت تمشى ثابتة الخطى وقد جف دمعها .. ورآها حسام تمشى فى الطريق الطويل مع الشمس الغاربة .. والغلام على صدرها .. وجموع الناس حولها ..

***

وفى الصباح أخذت مديحة تجمع ملابسها ..
وسألها حسام والدمع فى عينيه :
ـ إلى أين ..؟
ـ لقد ذهب الشىء الذى كنت لأجله أعيش معك .. وأتنفس لأرعاه وأتحمل المشاق لأطعمه فكيف أبقى ..؟
ـ لم تحدثينى قط عنه ..
ـ وهل كنت تبقينى فى بيتك لو عرفت أن لى ولدا ..؟
ـ طبعا ..
ـ أبدا .. ولا ساعة واحدة .. وأنا أعرف الرجال .. وأعرف أنانيتهم ..
ـ قد لا تعرفين .. أننى عزمت من شهور طويلة على أن نتزوج وبعد أيام سأنفذ الفكرة ..
ـ أننى الآن لا أصلح لأى شىء .. لقد ذهبت روحى .. وهل تقبل أن أعيش معك من غير روح ..؟
ـ أقبل ..
ـ إن قبلت أنت .. فلا أقبل أنا .. مستحيل .. أننى ذاهبة ..
ـ وهل .. هو .. الذى كنت تذهبين إليه كل خميس ..؟
ـ طبعا .. ولم أكن أسافر .. لأى بلد كما قلت لك .. كان فى القاهرة .. تركته عند سيدة ترعاه .. وكنت أعطيها كل شىء .. ولما دخل المدرسة واشتد ساعده .. وأصبح فرحتى الكبرى .. ذهب .. ككل شىء فى الحياة ..
وأخذتها العبرات ..

وسألها :
ـ إلى أين أنت ذاهبة .. هل لك أقرباء فى القاهرة ..؟
ـ أبدا .. ولكنى سأمشى .. فى المدينة وأقف على رءوس الشوارع والميادين وأقول للناس .. قاتلوا الوحوش .. قاتلوا الأندال .. قبل أن يقتلوكم ..
ـ وبعد هذا ..؟
ـ وبعد هذا .. يحدث الله أمرا ..
وأخذت طريقها إلى الباب الخارجى .. وحاول منعها فلم يستطع ..

***

وجلس بعد أن ذهبت .. صامتا .. حزينا .. ثم تحرك وجلس إلى اللوحة وأخذ يرسم وهو منفعل .. المشهد المسيطر على ذهنه والآخذ بحواسه .. المشهد الذى رآه .. صورة الأم وهى تحمل غلامها الشهيد .. ووراءها الجموع الزاخرة تحمل البنادق والخناجر لترد على العدوان بما هو أشد منه .. وعندما فرغ من الرسم وتأمله .. رضى عن نفسه وأدرك السبب الجوهرى الذى جعل اللوحة .. معبرة .. وحية ..


ـــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى صحيفة الشعب بالعدد 198 بتاريخ 20/12/1956 وأعيد نشرها فى كتاب " حارس البستان " سنة 1960
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق