الخميس، 5 مارس، 2009

المفتاح

المفتاح
قصة محمود البدوى




ضغط على الجرس فى رفق .. وفتحت " الشغالة " الباب فدخل متأنيا حابسا صوت قدميه بعد أن طالعه السكون التام من داخل الشقة .. إذ لم يسمع حسا على الاطلاق ..
وجلس على أول مقعد وقع عليه بصره فى البهو .. وهو يدير عينيه فيما حواليه باحثا فى قلق عن الشىء الذى جاء من أجله ..
وسأل الشغالة فى لهفة :
ـ أين الست يا سعدية ..؟
ـ نائمة .. ومن الصبح لم تقابل أحدا ..
ـ هذا أحسن .. دعيها تستريح .. ولا داعى لإخبارها بقدومى إلا بعد أن تصحو ..
ـ حاضر ..
ورأت على وجهه الارهـاق الشديد والحاجة إلى النوم فسألته هامسة :
ـ أعمل لك قهوة .. يا سى هشام ..؟
ـ طيب ..
وانسابت " الشغالة " فى سكون إلى الممر المفضى إلى المطبخ وأصبح هشام .. وحده فى الصالة يسمع دقات قلبه ودقات الساعة المعلقة على الحائط فى مواجهته .. واستراح إلى الضوء الشاحب الذى وجده داخل البيت كله .. فالإضاءة كانت خفيفة وجميع النوافذ الخارجية كانت مغلقة والستائر مسدلة ..
واستراح إلى كل ما فصله عن العالم الخارجى الذى قدم منه منذ لحظات ..
وأحس بالدفء بعد البرودة الشديدة التى شعر بها وهو فى الخارج .. وكانت الليلة شتوية متقلبة الريح غائمة ..
وأحس لأول مرة فى حياته رغم قلة الضوء بالأشياء التى حوله .. كأنه يدخل هذا البيت لأول مرة .. أحس بالكراسى والمناضد الصغيرة .. والصور على الجدران والساعة على الحائط ..
كانت كل هذه الأشياء كئيبة وحزينة كأنها تحس بغيبة صاحبها .. بغيبة من كان يعطيها شكلها ولونها ..
وأجال طرفه فيما يحيط به وحدق ساهما .. وبدا كل شىء حزينا قاتما يثير الشجن عند لمسه .. وبمجرد رؤيته .. وغاب فى تيه من الفراغ .. وجلس واجمـا مطرقا .. وقد اجتمع عليـه بؤس الحياة وشرها فى لحظة ..
ثم رفع رأسه عندما أحس بحركة خفيفة فى غرفة " سهير " وأدرك أنها نهضت من الفراش ..
أحس بهـا وهى رائحـة وغـادية فى الغرفة فى ثوبها الأسود محلولة
الشعر .. مهدلة الثوب .. غير عابئة بزينتها كأنثى فى رونق شبابها ..
ثم رآها تجلس منحنية على الكرسى الوحيد فى الغرفة وهى تتشنج وسمع بكاءها ونشيجها .. وشاهد وهو جالس تقلصات جسمها وتشنيجه .. ولكنه لم يستطع أن يدخل عليها الغرفة ويفعل شيئا لإسكاتها ..
وأدرك أن " الشغالة " أخبرتها بحضوره فأثار هذا ذكرياتها وشجنها .. أثار عواطفها وأطلق أحاسيس قوية كانت محبوسة ..
كان الباب الموارب يسمح له بأن يراها بكل جسمها وهى منثنية بجانب على الكرسى .. طاوية جذعها .. ودائرة برأسها نصف دورة حتى لاتراه ..
ولكنها فى غفلة منه وضعت على رأسها شالها .. فعرف أنها نهضت وتناولت الشال ثم رجعت إلى مكانها دون أن يشعر بها ..
ورغم الجلسة المنثنية والتى تبدو غير مريحة على الاطلاق .. فقد بدت قامتها الطويلة وبدت رشاقة جسمها .. ودوران كتفها .. وامتلاء صدرها .. الذى كان الثوب الصوفى يغطيه بقوة ويضمه .. ولكنه لا يخفى تقاطيعه ومفاتنه ..
وظهر الجيد أبيض ناعما .. فقد انحسر الشال الأسود عن شعرها الفاحم .. وعن عنقها فى لحظة غير واعية من لحظات الانفجار الحسى ..
وأبصر أنها تلفتت تجاهه ورأته ثم حولت رأسها على عجل بحركة انثوية عفوية تفعلها الأنثى بالغريزة فى ساعات الحزن العصبية ..
وانتصبت تتمشى فى الغرفة تروح جيئة وذهابا ..
وفى أثناء هذه الحركة الرتيبة التى كررتها دون ملل عشرات المرات غطت بالشال شعر رأسها الأسمر المتموج كله وأذنيها الصغيرتين وجيدها ونصف خديها ..
ولمح فى ساقها جوربا أسود طويل العنق يصل إلى الفخذين وينثنى هناك طيتين ثم يترك لون المرمر ونعومته فى نصف دائرة كاملة .. ويتيه بعدها البصر فى سواد الحرير المنحنى ونسجه ..
ووضعت فى القدمين حذاء أسود مطفى اللمعان .. وكانت قد خلعت فردة من الحذاء أثناء مشيها فى داخل الغرفة .. ثم جلست لتلبسها .. وواجهته هذه المرة بوجهها الشاحب وعينيها المخضلتين بالدمع ..
ومسحت عينيها بمنديل صغير طوته كثيرا حتى تكرمش .. وخطفت نظرة فى المرآة ثم خرجت إليه متثاقلة تمسك رأسها وعبراتها ..
ومد إليها يده .. فتناولتها فى استرخاء .. وأحس بيدها باردة رخصة .. وواجهتـه بعينين واسـعتين فيهما من التساؤل أكثر مما فيهما من الحزن ..
وسألته بصوت حزين :
ـ أجئت من مدة ..؟
ـ من ربع ساعة ..
ـ لم أحس بك .. إلا منذ قليل ..
ـ أعرف هذا ..
وهمت .. ثم سمع منها صوتا رخيما يختلف فى جرسه ونبراته ..
ـ وهل وصل ..؟
ـ وصـل بعد الظهر إلى الإسماعيلية .. ونقلناه إلى القاهرة منذ ساعة ..
ـ أحملوه إلىَّ فى الصباح .. سيبقى معى اليوم بطوله ..
ـ حاضر ..
وخشى أن يقول لها أنهم دفنوه وأنه جاء إليها بعد الدفن مباشرة .. خشى أن يقول لها هذا فيتمزق قلبها ويبح صوتها من النحيب وكان قد حمل متاعه .. قلمه ومحفظته وساعته وملابسه .. وأبقاه فى بيته بعيدا عنها فى هذه الأيام الحزينة عليها وعندما تتماسك وتملك زمام نفسها سيقدم لها هذه الأشياء التذكارية ..
وسألته :
ـ شربت قهوة ..؟
ـ شربت ..
ـ وتشرب معى ..؟ أحس برأسى ينفلق نصفين ..
فهمس :
ـ أشرب ..
وغابت عنه ولاحظ أنها وهى ذاهبة إلى المطبخ تمشى بنفس الخطوة السريعة وتتحرك بمثل نشاطها الذى جبلت عليه .. فلم يغير الحزن من حركتها ..
وحملت له " الكنكة " على الصينية كعادتها معه .. وصبت فى فنجانه ونظر إلى عينيها وترقرقهما بالبكاء وإلى أهدابها .. ولون خديها وشفتيها .. وأدرك كيف يظل الجمال الآسر باهرا حتى فى أشد حالات الحزن ..
وسمعها تقول بعد أن وضعت الفنجان :
ـ وما الذى ستفعله أنت ..؟
فأجاب مرتبكا :
ـ أنا ..! أى شىء ..؟
وارتفع صوتها :
ـ ما الذى ستفعله لتثأر لصديقك الأوحد ..؟
ـ ما الذى أفعله أنا ..؟
ـ أجل ..
واحتد صوتها وحدقت فى وجهه بعينين فيهما من الغضب أكثر مما فيهما من الوداعة التى الفها منها ..
ـ أنا .. لا شىء .. لقد عبر ليقـاتل فقتل .. وهذا يحدث لكل انسان ..
ـ وأنت تفعل مثله .. تعبر من نفس الموضع ..
ـ أنا .. أكون قاتلا .. ؟ لا ..
ـ وإن لم تكن قاتلا .. ستكون مقتولا ..
ـ أنا ..؟
ـ أنا .. وأنت .. والذى قتل " مصطفى " وقتل النساء والأطفال فى بيوتهم ومدارسهم سيقتلنى ويقتلك ..
ـ لا أحب أن أكون قاتلا ..
ـ أنت جبان ..
ـ أبدا .. وأنت تعرفينى ..
ـ إذن فلازلت تشعر بالمرارة فى فمك لأنهم تركوك فى البعثة .. وأخذوا غيرك ..
ـ وغير هذا كثير ..
ـ أنس كل شىء .. أنس هذه الصغائر لأننا فى محنة .. واثأر لصديقك .. لا أحد يفعل هذا غيرك .. فقد لازمته ملازمة الظل خمسة عشر عاما ..
ـ يفعل هذا غيرى ..
ـ بل تفعله أنت .. لأنك متدرب على القتال وجاهز .. وستحمل
نفس مدفعه ونفس خنجره .. وستضربهم نفس الضربة التى أصابت صديقك .. ستضرب فى القلب ..
ـ لا أحب أن أكون قاتلا ..
ـ ستكون .. وإلا .. لن ترى وجهى ..
فارتجف .. وارتعدت أوصاله .. وأمسك بيدها ..
ـ أترك يدى .. انك جبان .. وتحشو رأسك بالسفاسف .. اننا فى محنة ..
ـ وهل أنا مسئول عنها ..؟
ـ انه وطنك .. أرضك .. وترابك وعرضك ..
ـ أنا طبيب ..
ـ وما الذى ستفعله بطبك عندما يضمنا التراب ..
ـ كثير علىَّ أن أكون قاتلا ..
ـ إذا لن أجعلك ترى وجهى بعد اليوم ..سأرحل ..
وأعرضت عنه .. وأخذ فمها يرتعش .. فاصفر لونه وتمشت فى أوصاله رعدة شديدة وتركته واستدارت ودخلت غرفتها ..
وعادت تحمل شيئا فى يدها ..
وحدق فيه مستغربا ..
ـ من أين جئت بهذا ..؟
ـ كان عندنا .. ولم يستعمله " مصطفى " وستستعمله أنت ..
ومدت يدها .. فتناول منها " الرشاش " صامتا ولم ينبس ..
وقالت بهدوء وقد ظهر الارتياح على وجهها :
ـ سأجىء لك بحقيبة تضعه فيها ..
وحمل الحقيبة ومشى إلى الباب .. وتذكر شيئا كان قد وضعه فى جيبه وكاد ينسـاه فأخرجه بسلسلته الصغيرة وقدمه لها وهو يهمس بحزن :
ـ المفتاح .. وجدته فى جيبه ..
ـ أبقه معك ..
ونظرت إليه ففهم غرضها وشعر بانتفاضة وقوة ووضعت يدها على كتفه .. واستدار وخرج ..
***
وفى الصباح شعرت بالقلق .. انتابها قلق قاتل .. وندمت على أنها دفعته إلى القتال .. وخشيت أن تكون السبب فى فقده وكفكفت من عبراتها .. وأصبح تفكيرها كله فى هشام .. شغلت به وأصبح يتحرك معها فى حجرات البيت وأركانه .. ويدور ويسمع همسها ..
وكانت تستيقظ فى الليل على أحلام مروعة وأحلام ذهبية .. وتطالع الصحف فى لهفة علها تسمع عنه خبرا .. ولكنها لم تعثر على شىء ..
وعاشت حزينة ملتاعة ولم تكن وهى الوحيدة فى بيتها تحاول الاتصال
بأحد من الناس فى هذه المدينة الضخمة .. القاهرة ..
ومن البداية صـدت كل الذين حـاولوا أن يجعلوا من مقتل زوجها
صورة رخيصة للدعاية .. فالوطنية فى نظرها عمل سام ومقدس ويجب ألا يلوث قط ..
***
وذات صباح وصلتها رسالة من هشام .. سرت بها وبكت فى وقت واحد .. فقد أخبرها بدفن زوجها فى اليوم التالى لمصرعة فى مدافن أهله بالبساتين .. وأبدى أسفه أنه كتم عنها الخبر فى وقتها حتى لا يروعها .. وهو يرجو أن تغفر له ما فعله بعد أن رأى فيه عين الصواب وعند عودته سيزور معها القبر ..
وبكت " سهير " لأن الرسالة أثارت أشجانها وسرت لأن هشام لا يزال حيا .. وإن لم تعرف مكانه ..
وكفكفت من عبراتها .. وأصبح تفكيرها كله فى هشام .. شغلت به وأصبح يتحرك معها فى حجرات البيت وأركانه ويدور ويسمع همسها ..
وكانت تستيقظ فى الليل على أحلام مروعة وأحلام ذهبية ..
ذات مرة تراه عابرا القنال وحده فى كيس من المطاط .. وعلى وجهه ابتسامة المنتصر .. ومرة أخرى ترى معه ثلاثة من الرفاق مجهزين بمثل عدته من السلاح والخناجر .. وأجهزة اللاسلكى والرصاص يتطاير حولهم ..
ثم تراه يعبر وحده فى صحراء سيناء يبحث عن الطريدة .. يبحث عن قاتل " مصطفى " وتراه قد أصيب برصاصة ولفظ .. وهو يجود بأنفاسه اسمها مرتين .. " سهير .. سهير .." من يسهر عليك من بعدى .. وأنت اليتيمة الوحيدة ..؟
***
استيقظت فى الصباح مذعورة .. ووجدت نفسها تندفع إلى تنفيذ فكرة سيطرت عليها تماما .. منذ سفره .. وبعد الحلم قررت تنفيذها ..
وعلى عجل ارتدت معطفها الأسمر وخرجت فى الصباح المبكر تبحث عن سيارة تقلها إلى السويس ..
ووجدت سيارة بعد ساعة من البحث حملتها مع ثلاثة آخرين من الركاب ..
وعجبت بعد أن تحركت بها السيارة كيف تركب مع غرباء لا تعرفهم .. ولكن اللهفة على لقاء هشام وتعرف أخباره أنستها كل ما تعودت عليه من حيطة فى مثل هذه الأحوال ..
ولم تبلغ الرحلة غايتها فقد أعيدت السيارة بركابها فى ثلث الطريق .. إذ كانت فى السويس معركة بالمدفعية والطائرات منذ الفجر ..
ورجعت حزينة كسيرة القلب وسيطر عليها احساس مدمر بالقلق جعلها تعيش كالشبح .. وأدركت أنها كانت السبب فى فقد صديقها الوحيد فى هذه الحياة .. والرجل الذى كانت تجد فيه العوض عن زوجها والبديل ..
***
ومر شهر .. و .. شهر آخر .. وهى فى قلق وتعاسة .. لاتسمع عن هشام خبرا .. ولاتقرأ كلمة .. فانتابها المرض وأصبحت حبيسة البيت وهى أشبه بالمشلولة ..
***
وفى ليلة من ليالى الشتاء الباردة وكانت " سهير " ساهرة تحت مرضها وهى فى أشد حالات المرض .. أحست بحركة المفتاح فى الباب الخارجى فنهضت فرحة لتستقبله بقميص نومها .. فلا أحد غيره معه المفتاح ..
وأضاء هشام مفتاح الردهة وبدا أمامها عملاقا رغم شحوبه وهزاله وعانقته بحرارة الأنثى وهى تجد أمامها بطلها قد عاد إليها فجأة بعد طول عذاب ويأس ..
ولما أخذ يهمس بما فعله ليثأر لها .. مرغت شفتيها فى فمه الملطخ بالتراب والعرق لتسكته ..
فلم تكن تريد من الحياة أكثر من ضمه إلى صدرها ..


====================================


نشرت فى كتاب " عودة الابن الضال " سنة 1993 وفى كتاب قصص من حرب اسرائيل الأولى والثانية والثالثة والرابعة ـ إعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2007

=====================================




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق