الخميس، 5 مارس، 2009

فى الجبهة

فى الجبهة
قصة محمود البدوى

استيقظت السيدة روحية مبكرة كعادتها وأخذت تعد طعام الافطار وسمعت وهى تضع الصحاف على المائدة .. أزيز الطائرات ثم صوت القنابل .. وكان ابنها الأكبر عمر يقاتل اليهود فى سيناء .. وابنها الأصغر هشام قد ارتدى ملابسه ليذهب إلى المدرسة .. وابنتها ثريا قد أمسكت بالمنفضة ..
***
وكانت الأم كلما سمعت صوت الطائرات المغيرة تشعر بهزة وبقبضة على قلبها .. واشتد ضرب المدافع المضادة حتى تصورت أن الأرض فتحت كل نيرانها .. ثم خيم السكون وجاءت ابنتها تجرى وتصيح فرحة :
ـ ماما .. أسقطوا .. طيارة إنجليزية ..
وعندما فتحت السيدة روحية الشرفة رأت الناس كخلية النحل ..
ومرت سيارة .. وكان بها ميكروفون .. يدعو شباب الحرس الوطنى إلى التوجه إلى مكان معين .. ورأت الأم ابنها هشام ينصت إلى الميكروفون .. وقد تحولت سحنته إلى أذنين .. وظهر الدم فى وجهه يتفجر .. وأخذ يروح ويجىء فى البهو كأنه محبوس فى قفص ..
وسألته والدته :
ـ مالك .. يا هشام .. أقعد افطر ..
ـ لا أحس بجوع ..
وكانت تعرف ما يدور فى نفسه .. فصمتت ولم تلح عليه فى أن يأكل .. فمنذ بدأت معركة القناة وهو يبدى رغبته فى التطوع فى الحرس الوطنى .. وكانت أمه تعارضه ليبقى بجانبها وبجانب أخته ويكفى أخوه الأكبر الذى يقاتل فى الجبهة ولكن هشام كان يعارض ولا يستقر له جنب ..
***
وعاد الميكروفون يردد نفس النداء فأحس هشام بشىء يهزه وينفض جسمه نفضا ووثب بعدها وثبة واحدة وهبط إلى الشارع ..
ولم تملك الأم نفسها فشعرت بعينها تتندى .. وشعرت بالفراغ .. ولكن صوت ثريا الحلو .. كان يتردد .. سمعتها فى المطبخ تشترى الخضار وتتحدث مع الجيران فى ألفة ومودة فبعد عنها القلق الذى ساورها منذ تركهم هشام ..
***
ومر النهار رتيبا إلى الظهر .. ثم دوت صفارة الإنذار .. أغارت طائرات الأعداء .. وأخذت ترسل نيرانها على الأهلين الوادعين ..
وبصرت بعربات الأطفال عائدة بهم فى هذا الجو الرهيب من المدارس وبالنساء والشيوخ .. يجرون تحت وابل النيران إلى البيوت ..
وكانت شقتها فى الدور الخامس .. فى حى القلعة .. فبدت المدينة الجبارة تحتها .. بكل جمالها وجبروتها .. بدت المآذن والقباب وبروج الكنائس والعمارات الشاهقة والحدائق والفنادق .. وبدا النيل الخالد .. وعلى جانبيه الأرض الخضراء .. بدت الإنسـانية الوادعة وحضارة قرون ..
وفكرت من الذى سيدافع عن هذا التراث .. من الذى سيدافع عن هذه الحضارة .. ضد الوحشية والبربرية .. إذا لم يدافع عنها هشام .. أصغر أبنائها .. وشعرت بالفخار ..
وبعد ربع ساعة سمعت جرس الاسعاف .. ثم علمت أن ابنا صغيرا للجيران قتل فى الغارة .. فهزت الباب بقبضة يدها ..
***
وعندما جاء ولدها فى العصر يحمل ملابس الميدان على ظهره .. وأخبرها أنه ذاهب منذ الغد إلى الجبهة عانقته فى نشوة .. وأخذت هى وابنتها تعد له عشاء شهيا وفى الصباح الباكر .. خرج ابنها بملابس الميدان .. وودعته هى وثريا من النافذة وهى تشعر بالفخار والزهو ..
***
ومر النهار .. ولاحظت الأم أن ابنتها ثريا ساهمة فتصورت أنها قلقة على هشام .. فأخذت تشغلها بالعمل ..
ولكن الفتاة كانت تفكر فى شىء آخر .. كانت تفكر بكل قلبها فى
أن تشترك فى المعركة .. كانت تفكر فى عمل ايجابى تدافع به عن وطنها ضد المتوحشين والقراصنة وأخيرا استقر رأيها .. ودخلت على أمها وهى ترتدى الملابس البيضاء .. وعلى رأسها الهلال وبدت أجمل وأنضر ..
ونظرت إليها الأم وابتسمت ..
***
وعندما بدأت الغارة فى الليل .. لم تقف الأم دون عمل .. جمعت حولها الأطفال فى العمارة ونزلت بهم إلى المخبأ .. وأخذت تقص عليهم القصص الممتعة .. وكان الأطفال ينصتون إليها فى سرور ومرح .. حتى نسوا الظلام والخوف ..
وأحست الأم بأن الجميع يشتركون فى جبهة القتال ..
وغمرتها السعادة .. ورأت نور النصر الباهر ينبثق رويدا .. رويدا حتى يملأ الآفاق ..




ـــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى صحيفة الشعب بالعدد 156 فى 8/11/1956
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق