الخميس، 5 مارس، 2009

رصاصة


رصاصـة
قصة محمود البدوى

كان القائد يزور مستشفى الحلمية .. يعود الجرحى ويوزع الحلوى على أبطال المعركة ..
ومكث فى الغرفة المخصصة للعمليات .. حتى فرغ الأطباء من اجراء عملية دقيقة لأحد الجنود .. ولما اطمأن تماما على حالته .. ترك له باقة من الزهر .. وعلبة من الحلوى وخرج .. وعرف من فى المستشفى قصة هذا الجندى وسبب اصابته ..
عرفوا قصة بطولته فى خليج السويس ..
عرفوا أنه أغرق وحده طرادة للأعداء .. وظل يقاتل والطائرات تحلق فوقه كالنحل .. ولما عجزت الطائرات عن اسكات مدفعه .. صبت عليه النار وحصرته فى دائرة مشتعلة .. لتقضى عليه القضاء الحتم .. ولكنه لم يعبأ بهذا كله وظل يقاتل ويرمى السفينة باللهب ..
وأصابته شظية فى بطنه .. وأخرى طيرت يده .. ومع هذا لم يسكت مدفعه .. كان يستعمل كل جوارحه الباقية ويحرك المدفع ويده تقطر بالدم .. حتى أغرق السفينة ..
كان كل من فى المستشفى يتحدث عن هذا البطل .. وفى شرفة المستشفى المطلة على الصحراء جلس ثلاثة من الأطباء يشربون الشاى ويتحدثون عن العملية الدقيقة التى أجريت له .. وقال الدكتور عارف :
ـ ان واحدا .. فى الألف .. يقوم من هذه العملية .. وأحسبه سلط إرادة الحياة علينا .. ونحن نقطع من مصارينه .. سلط جبروته .. ولهذا نجحت العملية ..
ـ وبمثل هذه الإرادة أغرق السفينة ..
ـ طبعا .. ولقد حدثنى البكباشى .. حسنى .. عن فاضل .. عندما اقتربت طرادة الأعداء من الخليج وأخذت تقذفه بالنار .. أدار وجهه لرفقائه .. وقال لهم بهدوء .. سأغرقها .. ولقد فعل ..
وتوقف الطبيب عن الحديث عندما شاهد احدى الممرضات المتطوعات خارجة .. من غرفة الجريح ..
وسألها وهى تمر :
ـ هل أفاق من البنج ..؟
ـ لا ولكنه سيصحو حالا ..
وابتسمت السيدة عن أجمل وجه .. وأجمل ثغر .. ثم مضت مسرعة فى الطرقة ..
وقال الطبيب .. وهو يستمع إلى وقع خطاها البعيد :
ـ كان " فاضـل " يرفض البنج .. ويقول أنه على استعـداد ولا
داعى للتخدير ..
وضحكت أنا والدكتور عزمى وفى غفلة منه خدرناه وأجرينا له العملية ..
وبعد أن فرغ الأطباء من شرب الشاى .. نهضوا ودخل الدكتور عارف .. غرفة الجريح .. وانصرف الباقون فى الممرات ..
***
ولما أفاق فاضل لم يكن يعرف ما جرى .. كان يتصور أنه لايزال فى قلب المعركة .. ثم رجع إلى نفسه ونظر إلى السرير .. وإلى حيطان الغرفة .. وإلى الممرضة الواقفة بجواره .. وحرك يده على بطنه ووجد الضمادات .. والأربطة فابتسم وأدرك كل شىء ..
وقبل الغروب .. دخل رجل طويل يلبس العمامة والجبة .. من باب المستشفى وسأل عن طبيب يعرفه من أطباء المستشفى وقاده جندى .. إلى قسم الجراحة وبعد قليل دخل غرفة " فاضل " وعرف الجميع أنه والده ..
دخل الشيخ الغرفة بهدوء .. وبعد لحظات كان كل انسان فيها يضحك من النوادر والملح التى يقصها عليهم ..
وأخذ الشيخ يسأل عن " بلدياته " من الجرحى .. ثم طاف بكل الغرف .. ورافقته سيدة جميلة من المتطوعات .. عرفت مقصده الإنسانى وساعدته على تحقيق رغبته .. وأخذ يوزع ما حمله .. من هدايا وحلوى
على الجرحى ..
وأخيرا سلم على ابنه فاضل .. وخرج يمشى فى الممر ..
وقبل أن يبلغ الباب الخارجى قابل طبيبا يعرفه .. فسلم عليه بحرارة ..
ولما خرج الشيخ سأل الأطباء زميلهم :
ـ أتعرف الرجل ..؟
ـ أجل .. أعرفه من سنوات ..
ـ أنه والد فاضل ..
ـ عرفت هذا منه الآن وهو يحادثنى على الباب .. ولقد أيقنت أن الشجاعة تورث .. كما تورث الصفات الأخرى .. وسأعرفكم ببعض الأشياء عن الرجل ..
وأنصت الأطباء للطبيب المتحدث :
ـ الشيخ عبد القادر والد فاضل من جحدم احدى القرى فى الصعيد .. وله قصة تروى كما تروى أساطير البطولة أيام حروب العرب .. وحروب طروادة ..
ـ قصة بطولة ..!؟
ـ أجل .. وسأرويها لكم الآن .. حتى لا تعجبوا من كل ما فعله ابنه فاضل .. وتعرفون أن البطولة فى الدم ..
كان الشيخ عبد القادر كبير الأسرة .. ويدير شئونها .. وكان مزارعا من المزارعين ..
وكان عنده خفير من الأعراب .. يحرس زراعته .. فاختلف معه .. وأعفاه من عمله ..
وفى الليلة التالية .. وجد الشيخ عبد القادر وهو يمر فى الغيط .. نفس الخفير المطرود يجنى فى القطن .. فاستاء منه .. ولكنه كتم عواطفه وأمره بلطف أن يلقى ما معه من قطن ويخرج من الغيط وتظاهر الأعرابى بالقبول .. ولكنه بدلا من أن يخرج من الغيط ارتكز فى القناة .. ومد فوهة البندقية نحو الشيخ عبد القادر فأخذ هذا يحاوره ويداوره ويستعمل معه كل لين ولطف .. ويفهمه أن لا فائدة تعود عليه من القتل .. كل ذلك والأعرابى لا يرتدع .. بل انتهز فرصة انشغال الشيخ عبد القادر بالحديث .. وأطلق عليه النار فى صدره .. ولكن شاء الله أن تخيب الطلقة .. وهنا صوب عليه الشيخ عبد القادر فى الحال من بندقيته الخرطوش فأرداه قتيلا .. ثم دخل ببندقيته إلى وابور هناك فى الغيط .. وأغلق الباب .. ومد ماسورة البندقية من فرجة وجدها فى الباب ..
وكان يعرف أن الأعراب يحيطون بالمنطقة وسيعلمون بالخبر بعد لحظات .. وفعلا علموا بمقتل ابنهم .. فتحركت جموعهم .. ومن عيونهم يقدح الشرر .. إلى مكان الحادث ..
وشاهدوا ابنهم القتيل ملقى فى القناة والشيخ عبد القادر فى داخل الوابور فثارت جموعهم .. وكانوا مسلحين بكل أنواع الأسلحة الحديثة من بنادق سريعة الطلقات ومدافع رشاشة .. وخناجر .. وهراوات .. وكان باب الوابور من الوهن بحيث يستطيع أن يدفعه طفل برجله ..
وصاح كبيرهم :
ـ افتح يا شيخ عبد القادر .. نحن لا نريد بك شرا .. افتح ..
ـ لا .. ومن يقترب منكم خطوة .. سيلحق بعسران وتأكله الكلاب ..
ـ افتح يا شيخ عبد القادر .. افتح ..
ـ أنا عندى مائة وخمسون طلقة .. وسيموت منكم رجال بعدد هذه الطلقات .. وبعد ذلك يمكن أن تفتحوا أنتم الباب ..
ـ افتح يا شيخ .. افتح ..
ـ فى الصباح .. عندما يعلم أهلى بما حدث .. ويجيئون مثلكم سأفتح الباب .. أما الآن فلا توجد قوة تجعلنى أفتحه ..
ووقفوا فى مكانهم مسمرين مذهولين ينظرون إلى فوهة البندقية ولا يستطيع واحد منهم أن يتقدم خطوة ..
ـ أنت قتلت عسران ..؟
ـ قتلته .. ومن يتقدم منكم سأقتله .. وتأكله الكلاب ..
ولم يضعف الشـيخ عبـد القادر فيقول لهم أنه ضربه دفاعـا عن
النفس .. بعد أن أطلق عسران النار عليه .. لم يشرح لهم ما حدث .. بل قال لهم أنه قتل وكفى .. ظل فى موقفه صامدا جبارا ..
وبعد ساعتين جاء رجال البوليس من المركز .. وكان الظلام يخيم والليل رهيبا .. وعلموا من الموجودين فى المكان أن الرجل استقتل .. ويرفض أن يفتح الباب ..
وصاح رئيس القوة ..
ـ افتح يا شيخ عبد القادر .. اننا البوليس ..
ـ ومن يدرينى .. أنها خدعة .. فى الليل .. والظلام .. لقد قررت أن أفتح الباب فى الصباح .. ولا توجد قوة على الأرض تثنينى عن هذا القرار ..
وكان المعاون حكيما .. فحاصر المكان إلى الصباح ..
وفى الصباح .. جاء أهله .. وفتح الشيخ عبد القادر الباب ووجدوا معه .. بندقية خرطوش .. بروحين ..!! وكان بها رصاصة واحدة .. ولم يكن معه سواها ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت القصة فى صحيفة الشعب بالعدد 185 بتاريخ 7/12/1956 وأعيد نشرها فى كتاب " الجمال الحزين " سنة 1962
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق