الخميس، 5 مارس، 2009

السباك

السباك
قصة محمود البدوى


اشتهر محمد السباك فى حينا بالحلمية الجديدة كأحسن عامل يزاول حرفة السباكة فى المنطقة ، وكان يعمل فى دكان صغير بجوار مسجد " قيسون " ويعاونه صبى يحمل عنه الصندوق الخشبى الموضوع فيه الأدوات اللازمة للعمل ويتعلم منه الصنعة على مدى السنين ..
وكان محمد السباك دقيقا فى عمله ، وفى مواعيده ، وهو شىء نادر الحدوث فى عمال هذه الحرفة . ولذلك أحبه الجمهور وكثرت عليه الطلبات إلى حد يفوق كل التصورات ، واشتهر اسمه فخرج من الحلمية الجديدة .. إلى القلعة ثم السيدة زينب .. فعابدين .. ثم تناقل فى سرعة البرق فشمل كل الأحياء وكان يعجب ويقول :
ـ يا ناس .. كيف ألبى كل هذه الطلبات ..
كان يستقبل الناس بالبشاشة .. وهى شىء أصيل فى طبعه ، ومن صفاته الجميلة .. ويحدد للطلبات زمنا وجدولا ..
ولم يكن مع كل هذه الشهرة الواسعة يشتط فى الأجر .. كان يطلب الأجر المناسب ، الأجر الذى يشعر معه الزبون بالراحة ..
وكان يملك يدا سحرية .. فلا شىء عنده لايمكن اصلاحه .. فالسيفون الذى ينز باستمرار .. وقد تعطل وفقد كل دلائل الحياة .. يعيده جديدا فى لمسة من يد ساحر ..
وتعجب وأنت تراه مكبا على عمله فى صبر ودقة .. وقد انحنى على الشىء يتأمله أولا ورأسه يرتب ما يلزم .. ثم يناوله الصبى الأدوات واحدة وراء الأخرى وهو فى استغراق عجيب ..
وتراه يتغير لونه ويتفصد جبينه بالعرق إذا استعصى عليه شىء ثم لاتلبث الخاطرة الجـديدة المنقذة للموقف أن تطوف برأسه .. فيمد يده
ويحرك أنامله .. ويأتى بالأعاجيب .. انه مبتكر وفنان عديم النظير ..
ولم يكن عمله يقف عند السيفون .. والحنفية .. والدش .. والمحبس وماسورة المياة .. فقد امتد بذكائه إلى كل جديد .. فعندما جاء البوتاجاز عرف دقائقه .. وأخذ فى اصلاحه .. وكذلك فعل مع السخان ..
واضطر لكثرة تجولاته .. ولأن المواصلات فى القاهرة رديئة على طول الخط وفى كل الساعات .. ولا تسعفه فى تحركاته .. اضطر أن يشترى موتوسيكلا .. وبعد شهر واحد عرف كل ما فى عدة الموتوسيكل من دقائق وأصبح يصلحه بيده إذا تعطل ..
وانتقل من الموتوسيكل إلى السيارة عن هواية ورغبة ..
وكان يضحك عندما يقف أمامه أحد الزبائن بسيارته ويقول له :
ـ والنبى تشوف العربية .. مالها .. يا أسطى محمد ..
ـ هو أنا ميكانيكى .. يا بيه ..
ـ أنت أحسن من كل ميكانيكى ..
ـ حاضر ..
ويرفع غطاء الموتور ويحدق ..
ثم يرفع رأسه ..
ـ طيب .. يا على بيـه .. اتركها شوية .. لما أخلص مما فى يدى أولا ..
ـ عشت يا أسطى محمد ..
كان جميع الزبائن يتمنون له طول العمر .. لأنه الوحيد فى مستوى نظرهم الذى يخلصهم من كثير من المآزق .. ويريحهم من كثير من المتاعب ..
ولم يكن يحب المساومة .. ولا كان أحد من زبائنه يساومه .. فهم يعرفون طباعه جيدا ..
وعندما بدأ العمل فى السد تحايل عليه أحد المقاولين بكل طرق الاغراء وأخذه إلى أسوان مع مجموعة عماله .. وهناك أتى محمد السباك بالمعجزات .. واشتهر بين المهندسين والخبراء .. حتى أنهم كانوا عند كل موقف صعب يقولون :
ـ هاتوا .. محمد السباك ..
وعندما أنهى المقاول عمله فى السد .. أسند إليه عمل كبير فى سيناء فاصطحب معه محمد السباك ..
ولما اشتعلت نيران الحرب السريعة فى سنة 1976 .. كان محمد السباك فى قلب سيناء .. وأسر مع من أسر ..
ولما علم الإسرائيليون من بعض الأسرى بخصائص محمد السباك .. فى السباكة والميكانيكا .. وكل الأشياء الى لها آلات وعدد .. سحبوه ليصلح لهم سريعا ما تعطل من سياراتهم ودباباتهم التى جروها وراء الخطوط لتعود إلى المعركة من جديد ..
فقال لهم بثبات وشجاعة :
ـ أنا عامل بناء .. ولا أعرف شيئا فى الميكانيكا أو السباكة ..
ـ ولكن اسمك .. محمـد السباك .. وكل رفاقك ينادونك بهذا الاسم ..
ـ هذا لقب .. وهل يكون محمد النجار .. نجارا .. هذا لقب ..
ـ لا داعى لهذا المكر .. نحن نعرف صنعتك .. وإذا لم تستجب لرغباتنا سترى ما ينزل بك من عقاب ..
ـ افعلوا .. ما تشاءون ..
وعذبوه بدنيا ونفسيا .. وحاولوا معه بكل الوسائل .. أن يجعلوه يصلح لهم أى شىء .. ولكنه رفض باصرار ..
وأخيرا تشاوروا فيما يفعلونه ..
وقرروا تهديده بقطع ذراعه إن لم يرضخ لطلبهم ..
ولما سمع بذلك .. قال لهم فى هدوء :
ـ اقطعـوا .. فلا ذراع لى وأنا فى الأسـر .. لا ذراع على الاطلاق ..
وتشاور ضباطهم فى الأمر .. وقال أحدهم :
ـ إن محمد السباك مشهور فى مصر كلها .. وقطع ذراعه سيجعلنا معرة بين الأمم .. والتعذيب وصمة عار تبقى فى جبين الأمة وتلطخها بالوحـل إلى الأبد .. والأحسن من هذا أن نشل ذراعه اليمنى عن العمل ..
ـ كيف ..؟
ـ نترك هذا للأطباء ..
ـ ولماذا لا نقطع ذراعه ..بسبب أنه أصيب فى الحرب بقذيفة .. وقد اقتضت العملية بتر ذراعه ..
ـ لقد تسلمناه مع رفاقه سليما .. والأكاذيب لا تعيش ..
وفعلا أدخلوه المستشفى .. وخرج منه مشلول الذراع اليمنى عن كل حركة ..
وأطلق الأسرى .. وعاد محمد السباك إلى القاهرة مشلول الذراع ولكنه لم ييأس من هذه العاهة .. ولم يتوقف عن العمل .. فقد أخذ يمرن ذراعه اليسرى على كل عمل كان يعمله بذراعه اليمنى .. وفى أقل من ثلاثة أشهر كانت يده اليسرى تقوم بكل ما يريده منها ..
ومضى محمد السباك فى عمله كأنه ما شلت له ذراع .. ولدقته المتناهية فيما يقوم به وابتكاره .. أغرته شركة من شركات الطيران ليعمل فيها .. براتب كبير .. فقبل وأصبح يعمل فى جسم دقيق حساس .. فى جسم من الألمنيوم بدورات المياه فى الطائرات ..
وانتقل من الحلمية الجديدة .. إلى مصر الجديدة .. ليكون قريبا من المطار .. وفرح بهذا الانتقال .. لأنه انتقل إلى مسكن أحدث وأجمل وأصبح يعيش هو وأسرته فى الهواء الطلق وفى جو صحى ..
ولكنه وجد الفساد أمامه والفوضى والدسائس .. فانتابه القرف وساءت حالته النفسية وأصبح للمال الكثير فى يده طعم العلقم ..
وكانت عربة الشركة تنقله من البيت إلى المطار .. ومن المطار إلى البيت ولا يجد أمـامه الفرصة للمشى على قدميه .. فترهل وتضاعف وزنه ..
وللجو الكئيب المقبض الذى يعيش فيه ولمحاربته فى رزقه بالدس والوقيعة أصبح احساسه بذراعه المشلولة يتضاعف من يوم إلى يوم .. حتى بلغ به إلى حالة الخجل من نفسه كعاجز ..
وتصور الناس ينظرون إليه جميعا كلما خطا خطوة فى الطريق ..
وفى المطار .. وفى ممر الطائرات .. وفى وجوه المسافرين ..
وكان يشعر بكآبة قاتلة ..
وحل به المرض .. وأصبح يعمل يوما .. ويمرض ثلاثة ..
***
كانت الشركة تعد طائرة ضخمة لسفر كبير .. ووجدوا بها خللا فى دورة المياة يتطلب الاصلاح السريع .. وبحثوا عن محمد السباك فلم يجدوه ثم علموا أنه مريض فى البيت .. فاحتاروا ماذا يصنعون .. فلا بد من الكشف على دورات المياة فى الطائرة قبل سفرها لتكون سليمة مائة فى المائة .. ولا أحد يصلح لهذا العمل السريع سواه .. فمن المحتم استدعاؤه مهما كانت حالته .. وأرسلوا إليه عربة وجاءت به فعلا ..
ودخل من باب المطار ..
وسأل وهو جالس تحت البرج كما يجلس السلطان :
ـ أين الطائرة ..؟
ـ هناك فى الممر رقم ..
ـ هاتوها هنا ..
ـ كيف هذا يا أسطى محمد .. أنها على مبعدة فراسخ .. وكم يتكلف نقلها ..
ـ هاتوها هنا .. وإلا سأرجع إلى بيتى .. أنا مريض ..
ـ الطيارة سيركبها ...
ـ أعرف هذا .. وهو لا يرضى بعذابى .. لأنه انسان ..
ـ سنحملك إليها .. فى أحسن العربات ..
ـ هاتوها هنا .. وإلا سأعود إلى بيتى .. أنا مريض ..
أراد أن ينتقم ويشعرهم بمكانته .. لأول مرة فى حياته معهم يشعرهم بأنه يمتلك زمام الموقف .. أنه قادر على إملاء رغباته ..
كان يشعر بحرجهم وحيرتهم .. فمن الذى يمر بيده السحرية على معدن الطائرة سواه ..
وهبوا .. يأتون بالطائرة .. وجلس فى مكانه ينتظرها ..
جلس فى مكانه يرقب الشمس وهى ترسل أول أشعتها الذهبية فى بداية الشروق .. ترسل أشعتها على رمال المطار .. وعلى الممرات وعلى أجنحـة الطائرات الجاثمة على الأرض .. جاثمة فى سكون فى صباح الشتاء ..
وأحس بأزيز طائرة واحدة .. تتحرك فى الممر .. وبصر بها من بعيد تتحرك ببطء .. كانت ضخمة وجبارة .. تتحرك ببطء على الأرض .. تتحرك ببطء شديد وتتهادى .. ودارت ودخلت فى ممر آخر .. ثم اتجهت إليه تقترب منـه .. تقترب منه وحده .. جاءت إليه وأصبحت تحت قدميه ..
وأحس بفرحة غامرة .. بانتصاره وصرخ ..
ولم يشعر بنفسه وهو يحرك ذراعه المشلولة .. وجدها تشير إلى الطائرة .. وتطوق رفاقه وهم يعانقونه ..
كانت فرحتهم أضعاف فرحته .. فيا له من جبار بعد أن عادت إليه يده اليمنى ..




=====================================


نشرت فى مجلة الثقافة بالعدد 35 الصادر فى شهر أغسطس 1976 وأعيد نشرها فى كتاب " الباب الآخر " سنة 1977 وفى كتاب قصص من حرب اسرائيل الأولى والثانية والثالثة والرابعة ـ إعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق